سيد محمد طنطاوي
382
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله * ( مُبْصِرَةً ) * أي : معجزة واضحة ، يراها الناس بأعينهم بدون خفاء أو لبس . . قال الجمل : * ( مُبْصِرَةً ) * بكسر الصاد - باتفاق السبعة ، والإسناد مجازى . أي : يبصرونها خارجة من الصخرة . وقرئ شاذا بفتح الصاد . ثم قال : وفي السمين : مبصرة حال . وهو إسناد مجازى ، إذ المراد إبصار أهلها ، ولكنها لما كانت سببا في الإبصار نسب إليها ، والظاهر أن المراد الإبصار المعنوي ، وهو الاهتداء بها ، والتوصل بها ، إلى تصديق نبيهم ، وعلى هذا تظهر السببية ، فإن وجودها سبب في هذا المعنى . . . » « 1 » . وقال الآلوسي : وقوله : * ( مُبْصِرَةً ) * على صيغة اسم الفاعل حال من الناقة ، والمراد : ذات إبصار ، أو ذات بصيرة يبصرها الغير ويتبصر بها ، فالصيغة للنسب . . . » « 2 » . والمعنى : لقد تركنا إجابة المطالب التي اقترحها قومك - يا محمد - ، رحمة بهم ، لأننا لو أعطيناهم إياهم ثم استمروا في تكذيبهم لك لأهلكناهم كما أهلكنا السابقين . فقد أجبنا قوم صالح - عليه السلام - إلى ما طلبوه من نبيهم ، بأن أخرجنا لهم الناقة ، وجعلناها معجزة واضحة نيرة في الدلالة على صدقه ، فقابلوها بالتكذيب والجحود ، وظلموا أنفسهم وعرضوها للهلاك بسبب عقرها . قال - تعالى - : فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ، وعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ، وقالُوا يا صالِحُ ائْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ . فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ « 3 » . وقال - سبحانه - : كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْواها . إِذِ انْبَعَثَ أَشْقاها . فَقالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه ناقَةَ اللَّه وسُقْياها . فَكَذَّبُوه فَعَقَرُوها فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاها . ولا يَخافُ عُقْباها « 4 » . وقوله - سبحانه - : * ( وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً ) * تذييل قصد به الزجر عن تكذيب ما يأتي به الأنبياء من هدايات ومعجزات تدل على صدقهم . والباء في قوله * ( بِالآياتِ ) * للملابسة ، ومفعول ، نرسل ، محذوف ، و * ( تَخْوِيفاً ) * مفعول لأجله .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 2 ص 632 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 15 ص 104 . ( 3 ) سورة الأعراف الآيتان 77 ، 78 . ( 4 ) سورة الشمس الآيات 11 - 15 .